العيني
64
عمدة القاري
صلاة صليتموها من المكتوبة ) . وأخرجه النسائي أيضا وأخرجه الطحاوي من طريقين ، ففي طريقه الأولى : عن قبيصة البجلي ، وفي الثانية : عن قبيصة الهلالي وغيره ، وكل منهما صحابي على ما ذكره البعض ، وذكر أبو القاسم البغوي في ( معجم الصحابة ) أولاً قبيصة الهلالي فقال : سكن البصرة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث ، ثم ذكر قبيصة آخر ، فقال : قبيصة يقال : إنه البجلي ، ويقال : الهلالي : سكن البصرة ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا . حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن قبيصة قال : ( انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس ، فصلى بهم ركعتين ، فأطال فيهما حتى انجلت الشمس ، فقال : إن هذه الآية تخويف يخوف الله بها عباده فإذا رأيتم ذلك : فصلوا كأخف صلاة صليتموها من المكتوبة ) . وقال أبو نعيم : ذكر بعض المتأخرين قبيصة البجلي وهو عندي قبيصة بن مخارق الهلالي ، والبجلي وهم قلت : رواية الطحاوي وكلام البغوي يدلان على أنهما اثنان . قوله : ( كأحدث صلاة ) ، يعني : كأقرب صلاة . قال بعضهم : معناه إن آية من هذه الآيات إذا وقعت مثلاً بعد الصبح يصلى ويكون في كل ركعة ركوعان ، وإن كانت بعد المغرب يكون في كل ركعة ثلاث ركوعات ، وإن كانت بعد الرباعية يكون في كل ركعة أربع ركوعات . وقال بعضهم : معناه أن آية من هذه الآيات إذا وقعت عقيب صلاة جهرية يصلى ويجهر فيها بالقراءة ، وإن وقعت عقيب صلاة سرية يصلى ويخافت فيها بالقراءة . قلت : رواية البغوي : كأخف صلاة ، تدل على أن المراد كما وقع في صلاة من المكتوبة في الخفة ، وهي صلاة الصبح ، وأراد به أنه يصلي ركعتين كصلاة الصبح بركوعين وأربع سجدات . فافهم . ومنهم : علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، أخرج حديثه أحمد من رواية حنش عنه قال : ( كسفت الشمس فصلى علي ، رضي الله تعالى عنه ، للناس فقرأ يس أو نحوها ، ثم ركع نحوا من قدر سورة ، ثم رفع رأسه فقال : سمع الله لمن حمده ، ثم سجد ثم قام إلى الركعة الثانية ، ففعل كفعله في الركعة الأولى ، ثم جلس يدعو ويرغب حتى انجلت الشمس ، ثم حدثهم أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كذلك فعل ) . وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح ( عن السائب بن مالك ، والد عطاء : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، صلى في كسوف القمر ركعتين ) . وفي ( علل ابن أبي حاتم ) : السائب ليست له صحبة ، والصحيح إرساله ، ورواه بعضهم عن أبي إسحاق عن السائب بن مالك عن ابن عمر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وروى ابن أبي شيبة أيضا بسند صحيح ( عن إبراهيم : كانوا يقولون : إذا كان ذلك فصلوا كصلاتكم حتى تنجلي ) . وحدثنا وكيع حدثنا إسحاق بن عثمان الكلابي ( عن أبي أيوب الهجري ، قال : انكسفت الشمس بالبصرة وابن عباس أمير عليها ، فقام يصلي بالناس فقرأ فأطال القراءة . ثم ركع فأطال الركوع ، ثم رفع رأسه ثم سجد ، ثم فعل مثل ذلك في الثانية ، فلما فرغ قال : هكذا صلاة الآيات ! قال : فقلت : بأي شيء قرأ فيهما ؟ قال : بالبقرة وآل عمران ) . وحدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن الحسن ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف ركعتين ، فقرأ في إحداهما بالنجم ) وفي ( المحلى ) أخذ بهذا طائفة من السلف ، منهم عبد الله بن الزبير صلى في الكسوف ركعتين كسائر الصلوات . فإن قيل : قد خطأه في ذلك أخوه عروة . قلنا : عروة أحق بالخطأ من عبد الله الصاحب الذي عمل بعلم ، وعروة أنكر ما لم يعلم ، وذهب ابن حزم إلى العمل بما صح من الأحاديث فيها ، ونحا نحوه ابن عبد البر ، فقال : وإنما يصير كل عالم إلى ما روى عن شيوخه ، ورأى عليه أهل بلده ، وقد يجوز أن يكون ذلك اختلاف إباحة وتوسعة . قال البيهقي : وبه قال ابن راهويه وابن خزيمة وأبو بكر بن إسحاق والخطابي ، واستحسنه ابن المنذر ، وقال ابن قدامة : مقتضى مذهب أحمد أنه يجوز أن تصلى صلاة الكسوف على كل صفة ، وقال ابن عبد البر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف مرارا ، فحكى كل ما رأى ، وكلهم صادق كالنجوم ، من اقتدى بهم اهتدى ، وذهب البيهقي إلى أن الأحاديث المروية في هذا الباب كلها ترجع إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس يوم مات إبراهيم . وقد روى في حديث كل واحد منهم ما يدل على ذلك ، والذي ذهب إليه أولئك الأئمة توفيق بين الأحاديث ، وإذا عمل بما قاله البيهقي حصل بينها خلاف يلزم منه سقوط بعضها وإطراحه ، وإنما يدل على وهن قوله ما روته عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، عند النسائي بسند صحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف في صفة زمزم يعني بمكة ، وأكثر الأحاديث كانت بالمدينة ، فدل ذلك على التعدد ، وكانت وفاة إبراهيم يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر ، ودفن بالبقيع ، والحاصل في ذلك أن أصحابنا تعلقوا بأحاديث من ذكرناهم من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، ورأوها أولى من رواية غيرهم ، نحو حديث عائشة وابن عباس وغيرهما ، لموافقتها القياس في أبواب الصلاة ، وقد نص في حديث أبي بكرة على ركعتين صريحا . بقوله : ( فصلى ركعتين ) ، وفي رواية النسائي : ( كما تصلون ) ، وحمل ابن حبان والبيهقي على أن المعنى : كما تصلون في الكسوف ، بعيد وظاهر الكلام يرده . فإن قلت : خاطب أبو بكرة بذلك أهل البصرة ، وقد كان ابن عباس علمهم أن صلاة الكسوف ركعتان ، في كل ركعة ركوعان . قلت : حديث أبي بكرة إخبار عن الذي شاهده من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه خطاب أصلاً ، ولئن سلمنا أنه خاطب بذلك من الخارج ، فليس معناه كما حمله ابن حبان والبيهقي ، لأن المعنى : كما كانت عبادتكم فيما إذا صليتم ركعتين بركوعين وأربع سجدات ، على ما تقرر شأن الصلوات على هذا . وقال بعضهم : وظهر أن رواية أبي بكرة مجملة ورواية جابر : أن في كل ركعة ركوعين ، مبينة ، فالأخذ بالمبين أولى قلت : ليت شعري أين الإجمال في حديث أبي بكرة ؟ هل هو إجمال لغوي أو إجمال اصطلاحي ؟ وليس ههنا أثر من ذلك ؟ ولو قال هذا القائل : الأخذ بحديث